الرأي الآخر

رأي : إسبانيا بين خطاب الديمقراطية و إرث الإستعمار ( قراءة نقدية )

2 غشت 2026 - 20:09

كمال سليمان سليماني: قراءة نقدية

تُعد إسبانيا اليوم من الدول الأوروبية التي تؤكد في خطابها السياسي على قيم الديمقراطية، و سيادة القانون، و إحترام حقوق الإنسان، كما تعلن دعمها لحق الشعوب في الحرية و رفض مختلف أشكال الإستعمار. غير أن هذا الخطاب يثير تساؤلات مشروعة عندما يُقارن ببعض الملفات التاريخية و السياسية التي ما تزال دون تسوية كاملة، و على رأسها الإرث الإستعماري الإسباني في شمال المغرب.

فقد خضع جزء من شمال المغرب، خاصة منطقة اريف، الإستعمار الإسباني خلال النصف الأول من القرن العشرين، و شهدت المنطقة واحدة من أعنف حروب المقاومة بقيادة المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي.

و خلال حرب اريف (1921-1927)، تشير دراسات تاريخية و وثائق عديدة إلى أن القوات الإسبانية إستخدمت أسلحة كيميائية، من بينها غاز الخردل و الإبيريت و الفوسجين، ضد مناطق مأهولة بالسكان، و هو ما يعتبر من أوائل حالات إستخدام هذا النوع من الأسلحة ضد المدنيين في التاريخ الحديث.

و رغم مرور قرابة قرن على تلك الأحداث، لا يزال هذا الملف يثير جدلاً واسعاً بين المؤرخين و الحقوقيين. فقد طالبت جمعيات مدنية و باحثون مغاربة و إسبان مراراً بفتح الأرشيف العسكري الإسباني، و الاعتراف الرسمي بما وقع، و إجراء تحقيقات تاريخية مستقلة، فضلاً عن تقديم إعتذار رسمي للضحايا و أحفادهم. إلا أن الحكومات الإسبانية المتعاقبة لم تصدر حتى الآن إعترافاً رسمياً بالمسؤولية عن تلك الإنتهاكات.

و تزداد حساسية هذا الملف بسبب إستمرار إنتشار أمراض السرطان في بعض مناطق اريف التي تعرضت للقصف، حيث يرى عدد من الباحثين و الجمعيات أن هناك إحتمالاً لوجود علاقة بين التعرض للأسلحة الكيميائية آنذاك و إرتفاع بعض المؤشرات الصحية.

و من جهة أخرى، يطرح إستمرار الإحتلال الإسباني على مدينتي سبتة و مليلية المحتلتين، إلى جانب الجزر المجاورة، إشكالاً سياسياً مستمراً بين المغرب و إسبانيا. فالمغرب يعتبر هذه المناطق أراضٍ محتلة و جزءاً لا يتجزأ من و حدته الترابية، بينما ترى إسبانيا أنها أجزاء من أراضيها الوطنية بالرغم أنها توجد في القرة الإفريقية. و يعكس هذا الخلاف إستمرار آثار الحقبة الإستعمارية في العلاقات بين البلدين، رغم تطور التعاون الإقتصادي و الأمني بينهما.

إن الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان يكتسب مصداقية أكبر عندما يكون شاملاً، و يشمل أيضاً مراجعة الماضي و الإعتراف بالأخطاء التاريخية.

فالعديد من الدول الديمقراطية واجهت صفحات مؤلمة من تاريخها عبر الإعتذار الرسمي أو فتح الأرشيف أو تعويض الضحايا، بإعتبار أن العدالة التاريخية جزء من بناء الثقة و تعزيز قيم حقوق الإنسان.

و في هذا السياق، تبدو الدعوة إلى فتح ملف “حرب الريف” و الكشف الكامل عن الحقائق، و الإعتراف بالإنتهاكات التي إرتُكبت خلال الفترة الإستعمارية، مطلباً ينسجم مع المبادئ التي تؤكد عليها الديمقراطيات الحديثة. فالديمقراطية ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي أيضاً إستعداد لتحمل المسؤولية عن الماضي، و إحترام حق الضحايا في الحقيقة و الإنصاف، و ترسيخ ثقافة المحاسبة و الذاكرة المشتركة.

إن إحترام حقوق الإنسان لا ينبغي أن يخضع للإعتبارات السياسية أو الجغرافية، بل يجب أن يكون مبدأً عالمياً يطبق على الجميع دون إستثناء. و لذلك، فإن أي دولة تدافع عن هذه القيم مطالبة أيضاً بمواجهة تاريخها بشجاعة و شفافية، لأن الإعتراف بالحقيقة لا يضعف الديمقراطيات، بل يعزز مصداقيتها و يؤكد التزامها الحقيقي بالعدالة و الكرامة الإنسانية.

Add a Comment